فصل: تفسير الآيات رقم (49- 56)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تيسير التفسير ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏36- 41‏]‏

‏{‏قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ‏(‏36‏)‏ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى ‏(‏37‏)‏ إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى ‏(‏38‏)‏ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ‏(‏39‏)‏ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ‏(‏40‏)‏ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ‏(‏41‏)‏‏}‏

سؤلك‏:‏ مطلوبك‏.‏ مننا‏:‏ أنعمنا‏.‏ أوحينا‏:‏ ألهمنا‏.‏ اقذفيه في التابوت‏:‏ ضعي فيه‏.‏ فاقذفيه في اليم‏:‏ فألقيه في البحر‏.‏ ولتُصنع على عيني‏:‏ ولتتربى برعايتي‏.‏ تقر عينها‏:‏ تُسر به‏.‏ وفتنّاك‏:‏ اختبرناك‏.‏ مدْين‏:‏ ببلد في شمال الحجاز معروفة الى الآن‏.‏

‏{‏قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ‏}‏‏.‏

بعد ان سأل موسى ربه فأطال السؤال، وبسط حاجته، وهو لا يزال في ذلك الموقف الكريم في ضيافة ربه- من عليه ربُّه وأجابه على سؤاله، قائلا‏:‏ قد اعطيتُك ما سألتَ يا موسى‏.‏ ولقد سبق ان تفضّلنا عليك بمنةٍ أخرى من قبل، وذلك حين ألهمنا أُمَّك إلهاماً كريما كانت فيه حياتك، ألهمناها ان تضعَك في التابوت، ‏(‏وهو صندوق صغير‏)‏ ثم تلقي به في النِّيل، حتى تنجو أنتَ من فرعون، لأنه يقتل كُلَّ ذكر يولد في بني اسرائيل‏.‏ وشاءت إرادتُنا أن يلقي النيل ذلك التابوت في بستانٍ لفرعون، عدوّي وعدّوك‏.‏ وبينما فرعون جالس في ذلك البستان مع زوجته إذا بالتابوت يجري به الماء، فأمر فرعونُ غلمانه بإخراجه‏.‏ وفتحوه، فإذا فيه صبي لطيف‏.‏ فأحبّه فرعون، وأمر ان يكون تحت رعايته‏.‏

‏{‏وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ على عيني‏}‏‏.‏

وجعلتُ كل من رآك يُحبّك، ومن ثم أحبَّك فرعونُ وزوجته حتى قالت‏:‏ ‏{‏قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عسى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 9‏]‏‏.‏ وحتى تتربَّى برعايتي وكما أُحبّ‏.‏

ورحمةً بأُمك، هيَّأتُ الظروف حتى جمعتُك بها، وكانت أُختك تمشي متتبّعةً التابوت حتى علمتْ أينَ ذهب‏.‏ فجاءت متنكَرة الى قصر فرعون حيث وجدتْهم يطلبون لك مرضعا، فقال‏:‏ هل أدلُّكم على من يرضعه ويحفظه ويربيه‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم، فجاءت بأُمك، ورجعتَ إليها حتى تفرحَ وتُسَرَّ وتقر عينُها بك، ويزول عنها الحزن والقلق عليك‏.‏

وكنتَ قد قتلتَ نفساً من أهل مصر فنجّيناك مما لحقَكَ من الخوْفِ والغم، كما جاء في سورة القصص 15‏:‏ ‏{‏فاستغاثه الذي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الذي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ موسى فقضى عَلَيْهِ‏}‏ وهذا كما يأتي في سورة القصص‏:‏ حين كبر وشبّ في قصر فرعون، ونزل الميدنةَ يوماً فوجد فيها رجلَين يقتتلان‏:‏ أحدُهما من شيعته والآخر من شيعة فرعون، فاستغاثه الّذي هو من شِيعته، فوكز موسى المصريَّ بيده فسقط ميتاً‏.‏ ولم يكن موسى ينوي قتله، فاغتمّ لذلك فهربَ الى مَدْيَن، وهذا معنى قوله تعالى‏:‏

‏{‏وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً‏}‏‏.‏

اختبرناك اختباراً شديداً بالغُربة ومفارقة الأهل والوطن‏.‏ وامتُحن بالخدمة ورعي الغنم، وهو ربيبُ القصور عند الملوك، وجازَ الامتحانَ ونجحَ في كل عمل عمله‏.‏

‏{‏فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ على قَدَرٍ ياموسى ‏(‏*‏)‏ واصطنعتك لِنَفْسِي‏}‏‏.‏

ونجّيناك من الهمّ الذي لحق بك فذهبتَ الى مدين‏.‏ وهناك لقيتَ شُعَيْب وتزوّجت ابنته على شرط ان ترعى له الغنم مدة، وأمضيتَها على أحسنِ حال، ثم عدتَ من مدين في الموعد الذي قدرناه لإرسالك، وقد اصفيتك لنفسي وحملِ رسالتي‏.‏ وفي هذا تشريف كبير لموسى عليه السلام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏42- 48‏]‏

‏{‏اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآَيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ‏(‏42‏)‏ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ‏(‏43‏)‏ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ‏(‏44‏)‏ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى ‏(‏45‏)‏ قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ‏(‏46‏)‏ فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ‏(‏47‏)‏ إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ‏(‏48‏)‏‏}‏

آياتي‏:‏ المعجزات، منها العصا واليد البيضاء‏.‏ لا تنيا‏:‏ لا تقصرّا، لا تفترا‏.‏ في ذكري‏:‏ في تبليغ رسالتي‏.‏ قولاً لينا‏:‏ كلاما لطيفا لا عنف فيه ولا خشونة‏.‏ ان يفرط علينا‏:‏ ان يعجّل علينا بالعقوبة‏.‏ والسلام على من اتبع الهدى‏:‏ السلامة من العذاب لمن آمن وصدق‏.‏

بعد ان أجاب الله موسى ما سأله، شرع الكتابُ الكريم يذكر الأوامر والنواهي التي طلب اليه الله ان يقوم بتنفيذها ويؤدي الرسالة على اكمل وجه‏.‏

اذهبْ انت وأخوك الى رفعون، مؤيدّين بمعجزاتي التي زودتك بها‏:‏ العصا واليد البيضاء، وغيرها، كما قال تعالى في الآية 101 من سورة الإسراء‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ‏}‏ ولا تتهاونا في تأديه الرسالة التي حمَّلتكم إياها‏.‏

إذهبا الى فرعون معاً وبلِّغاه الرسالة، لأنه طغى وتجبرَّ حتى ادّعى الربوبية ‏{‏فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏ 24‏]‏‏.‏ وكثيراً ما يخُصُّ فرعونَ بالدعوة لأنه كان متجبرا متألِّهاً، فلو أنه استجابَ للدعوة لآمنَ قومُه جميعا‏.‏

ثم أرشدهما كيف يتكونُ دعوتُهما لفرعون بقوله‏:‏

‏{‏فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى‏}‏‏.‏

فكِّلماه بكلامٍ رقيق لين، ليكون أوقعَ في نفسه، لعلَّه يجِيب دعوتكما الى الإيمان، ويخشى عاقبة كفره وطغيانه‏.‏

قال موسى وهارون متضرّعَين الى الله‏:‏ يا ربّنا، إننا نعرف هذا الجبّارَ المتكبر، ونخشى ان يبادرَنا بالأذى والعقوبة، او يزدادَ طغياناً وكفرا‏.‏

وهنا يشجّعهما الله تعالى، بأنه معهما‏.‏ لا تخافا من فرعون، إنني معكما بالرعاية والحفظ، أسمعُ لكل ما يجري في هذا الكون، وأُبصر ما يفعل فرعونُ وغيره، فلا يستطيع ان يُلحق بكما أذى‏.‏

اذهبا إلى فرعون فقولا له‏:‏ إننا رسولان إليك من ربك، جئنا ندعوكَ الى الإيمان به، وسنألك ان تُطلق بني إسرائيل من الأسر والعذاب‏.‏ وقد أتيناكَ بمعجزةٍ من الله تشهد لنا بصدق ما دعوناك اليه، ‏{‏والسلام على مَنِ اتبع الهدى‏}‏‏.‏

والسلامةُ والأمنُ نم العذاب على من اتبع رسُلَ ربه، واهتدى بآياته التي ترشد الى الحق‏.‏

وان الله قد اوحى الينا ان عذابه الشديد واقع على من كذّبنا واعرض عن دعوتنا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏49- 56‏]‏

‏{‏قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى ‏(‏49‏)‏ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ‏(‏50‏)‏ قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى ‏(‏51‏)‏ قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ‏(‏52‏)‏ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى ‏(‏53‏)‏ كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى ‏(‏54‏)‏ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ‏(‏55‏)‏ وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آَيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى ‏(‏56‏)‏‏}‏

اعطى كل شيء خلقه‏:‏ اتقن خلْق كل شيء واعطاه صورته وشكله‏.‏ ثم هدى‏:‏ ثم عرّفه كيف ينتفع بما أثعطي له‏.‏ ما بالُ القرون الاولى‏:‏ ما حال هؤلاء الماضين‏.‏ لا يضل‏:‏ لا يخطئ‏.‏ مهداً‏:‏ ممهدة كالفراش‏.‏ وسلك لكم فيها سبلا‏:‏ سهل لكم فيها طرقا‏.‏ ازواجا‏:‏ اصنافا‏.‏ شتى‏:‏ مختلفة النفع والطعم واللون‏.‏ لأولي النهى‏:‏ لأصحاب العقول، مفردها‏:‏ نُهْية‏.‏

ذهب موسى وهارون إلى فرعون‏.‏ وتقول الرواية عن ابن عباس أنهما لما جاءا إلى باب فرعون اقاما مدّةً لا يُذون لهما، ثم أُذِن لهما بعد حجاب شديد، فدخلا ودار بينهما من الحوار ما قصَّه ربنا علينا‏.‏

قال فرعون وهو جالس في طغيانه وجبروته‏:‏ مَن ربكمن الذي أرسلكما يا موسى‏؟‏ قالا‏:‏ ربنا الذي منح نعمةَ الوجود لكل موجود، وأودع في كل شيء صفاتِهِ الخاصة، وخلَقَه على الصورة التي اختارها سبحانه له‏.‏ ‏{‏ثُمَّ هدى‏}‏ ثم أرشده ووجَّه لما خُلق له‏.‏

فقال فرعون يحتج بالقرون الأولى الذين لم يعبدوا هذه الإله‏:‏ وماذا جرى لها‏؟‏ فاجابه موسى‏:‏ ‏{‏قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى‏}‏‏.‏

ان عِلْمَ هذه القرون عند ربّي، وهي من علوم الغيب، وهي مسجَّلة لديه في كتاب لا يغيب عن علمه شيء منه، ولا ينساه‏.‏

ثم عاد الى تتميم كلامه بإبراز الدلائل على الوجود فقال‏:‏

‏{‏الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

انه هو الإله المتفضّل على عباده بالوجود والحفظ، مهَّد لكم الأرضَ فبسطها بقدرته وجعلها لكم كالفراش، وشقّ لكم فيها طرقاً تسلكونها‏.‏ وأنزلَ المطر عليها تجري به الأنهار فيها، فأخرج أنواعَ النبات المختلفة في ألوانها وطعومها ومنافعها‏.‏

وقال لخلقه يوجِّههم الى الانتفاع بما أخرج من النبات، كلوا منها، وارعوا أنعامكم‏.‏ إن في هذا الخلْق والإبداع والإنعام به دلائلَ واضحة، يهتدي بها أصحابُ العقول الى الايمان بالله ورسالاته‏.‏

ثم بين سبحانه أن هذه الدنيا ومن عليها دارُ ممر، وان هناك حياةً أخرى هي الحياة الدائمة فقال‏:‏

‏{‏مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى‏}‏‏.‏

من تراب هذه الارض خلقَ الله آدم وذريته، وإليها يردّهم بعد الموت، ومنها يُخرجهم أحياء مرة اخرى للبعث والجزاء‏.‏

ولقد أرينا فرعون على يد موسى المعجزاتِ البينة المؤيدةَ لرسالته وصِدقه في كل ما اخبر به عن الله، ومع هذا كله تمادى فرعون في كفره، وكذّب بكل ما رأى ولم يؤمن‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ الكوفيون‏:‏ مهدا‏.‏ والباقون‏:‏ مهادا بالجمع‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏57- 64‏]‏

‏{‏قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى ‏(‏57‏)‏ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى ‏(‏58‏)‏ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ‏(‏59‏)‏ فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى ‏(‏60‏)‏ قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى ‏(‏61‏)‏ فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ‏(‏62‏)‏ قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ‏(‏63‏)‏ فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى ‏(‏64‏)‏‏}‏

سُوى‏:‏ مستوى من الارض‏.‏ يوم الزينة‏:‏ يوم عيدٍ كان لهم‏.‏ يُحشر الناس‏:‏ يجمعون فيه‏.‏ فجمع كيده‏:‏ ما يكيد به من السحرة وادواتهم‏.‏ ويلكم‏:‏ هلاك لكم‏.‏ فيسحتكم‏:‏ يستأصلكم بعذاب شديد‏.‏ وأسرّوا النجوى‏:‏ بالغوا في اخفاء كلامهم‏.‏ بطريقتكم المثلى‏:‏ بدينكم الصحيح‏.‏ فأجمعوا كيدكم‏:‏ اجعلوا كيدكم مجمَعاً عليه‏.‏ صفّا‏:‏ مصطفين‏.‏ استعلى‏:‏ غلب‏.‏

فلما رأى فرعونُ ما عند موسى من الحجج والآيات اتهم موسى بالسِّحر وانه يريد بسحره اخراجه وقومه من أرضه، ويجعلها في يد بني اسرائيل، وقال ذلك ليحمِّس شعبه ويحملَهم على السخط على موسى، فلا يتبعه أحد منهم‏.‏

ثمقال‏:‏ فوالله لنأْتينَّك بسحرٍ مثلِ سحرك، فاجعلْ بيننا وبينك موعدا نجتمع فيه نحن وأنتم، فنبطلَ ما ئجتَ به بما عندنا من السِّحر، ولا يتخلَّفَ من اأحد عن ذلك الموعد في مكانٍ مستوٍ مكشوف حتى يحضُرَه اكبرُ عددٍ من الناس‏.‏

قال موسى‏:‏ ميعادُكم للاجتماع يوم عيدكم الذي تسمّونه يوم الزينة، فيجتمع الناس في ضحى ذلك اليوم، ليكون الحف عاماً، وليشهدَ الناس ما يكون بيننا وبينكم‏.‏

فانصرف فرعون من ذلك المجلس، وأمر بجمع أعظم السحرة، وأشرفَ بنفسه على جمْعِ كل وسائل السحر وأدوته‏.‏ ثم أقبل في الموعد المحدد، وجلس على سرير ملكه وحوله اكابر دولته وأعوانه، واجتمع الناس ينتظرو، ز وجاء موسى يتوكأ على عصاه ومعه اخوه هارون وحدَهما لا سند لهما ولا نصير الا الله يسمع ويرى‏.‏

ووقف موسى وحذر السّحرة ‏{‏قَالَ لَهُمْ موسى وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افترى‏}‏‏.‏

لا تختلقوا على الله الكذب، بزعمكم أن فرعون إله، وتكذِّبوا رسلَ الله، فإن فعلتم استأصلكم الله بعذابٍ شديد، وقد خابَ من افترى على الله الكذب‏.‏

فلما سمع السحرةُ كلامَ موسى هاجوا وذُعروا، فتشاوروا فيما بينهم ماذا يفعلو، وبالغوا في كتمان ما يقولون عن موسى وأخيه حتى لا يسمعا ما يُقال عنهما‏.‏

ثم يبن الله خلاصة ما استقرّت عليه آراؤهم بعد التشاور السّريّ الذي خاضوا فيه‏.‏

‏{‏إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

إن هذا الرجلَ وأخاه ساحران خبيران بصناعة السِحر، وهما يعملان على إخراجكم من أرضكم، حتى تكون الرياسةُ لهم دونكم‏.‏

ثم بين السحرة ما يجب لمقابلة هذا الخطر الداهم فقالوا‏:‏

‏{‏فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائتوا صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ اليوم مَنِ استعلى‏}‏‏.‏

اجعلوا ما تكيدون به موسى أمراً متفقاً عليه، ثم احضُروا مصطفّين مجتمعين، وألقوا ما في أيديكم دفعةً واحدة، لتكون لكم في نفوس الناسِ الهيبةُ والغلبة، وقد فاز اليومَ من غلب‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ ابن عمر وعاصم وحمزة ويعقوب‏:‏ يومُ الزينة بضم ميم يوم‏.‏ والباقون‏:‏ يوم الزينة بنصب الميم‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي وحفص ويعقوب‏:‏ فيُسحتكم‏:‏ بضم الياء وكسر الحاء والباقون‏:‏ فيَسحَتكم‏:‏ بفتح الياء والحاء‏.‏ وقرأ ابو عمرو‏:‏ ان هذين لساحران، بتشديد ان ونصب هذين‏.‏ وقرأ نافع وحمزة والكسائي، وابو بكر عن عاصم‏:‏ ان هذان لساحران‏.‏

باسكان نون ان‏.‏ وقرأ ابو عمرو وحده‏:‏ فاجمعوا كيدكم، بهمزة الوصف واسكان الجمي‏.‏ والباقون‏:‏ فأجمعوا كيدكم‏:‏ بهمزة القطع‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏65- 76‏]‏

‏{‏قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى ‏(‏65‏)‏ قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ‏(‏66‏)‏ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى ‏(‏67‏)‏ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى ‏(‏68‏)‏ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ‏(‏69‏)‏ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ‏(‏70‏)‏ قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى ‏(‏71‏)‏ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ‏(‏72‏)‏ إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ‏(‏73‏)‏ إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى ‏(‏74‏)‏ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا ‏(‏75‏)‏ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ‏(‏76‏)‏‏}‏

فأَوجسَ في نفسه خيفةً‏:‏ أحسن بالخوف‏.‏ انت الاعلى‏:‏ المنتصر‏.‏ ما في يمينك‏:‏ هي العصا‏.‏ تلقف ما صنعوا‏:‏ تبتلع كل حبالهم وعصيّهم‏.‏ حيث اتى‏:‏ اينما كان‏.‏ انه لكبيركم الذي علّمكم السحر‏:‏ ان موسى لَزعيمكم الذي علّمكم السحر‏.‏ من خلاف‏:‏ وذلك ان تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى مثلا‏.‏ لن نُؤْرك على ما جاءنا‏:‏ لن نفضلك على الايمان الذي حصلنا عليه‏.‏ فَطرنا‏:‏ خلقنا‏.‏ فاقض ما انت قاض‏:‏ اعمل ما تريد‏.‏ تزكى‏:‏ تطهر‏.‏

بعد ان اتفقوا على الموعد وهو يومُ الزينة، جاؤا مصطفين مستعدّين أتم استعداد وسألوا موسى وخيّروه بين أن يبدأ فيُلقي عصاه، او يكونوا هم البادئين‏.‏

قال موسى‏:‏ بل ابتدئوا، ألقوا ما عندكم‏.‏ فالقوا حِبالهم وعصَّيهم فاذا هي افاعٍ تسعى‏.‏

وخُيّل لموسى أنها حقيقة من شدة سحرهم، واحس بالخوف لِما رآه من أثر السحر‏.‏ فأدركه الله بلطفه فأوحى اليه قائلا‏:‏ ‏{‏لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأعلى‏}‏ لا تخشَ شيئا، إنك انت الغالب المنتصر على باطلهم‏.‏ ألقِ العصا التي بيمينك فإنها تبتلع ما زوّروا من السحر، فليس الذي فعلوه إلا كيد ساحر‏.‏ وكانت صنعة السحر هي الغالبة في ذلك الزمان، وكانوا يضعون الزئبق بطريقة خفية في الحبال والعصي، فعندما تتأثر بحرارة الشمس ‏(‏وجوُّ مصرَ حارٌّ‏)‏ تضطرب الحبال وتتحرك فيظنُّ من يراها أنها تسعى‏.‏

فلا تخفْ يا موسى، فالساحر لا يفلح امتثل موسى أمر ربه، والقى عصاه فاذا هي حيذَة تسعى‏.‏ بل إنها اخذت تلقف ما زوّروه من حبال وعصي وتبتلعها‏.‏ فلما رأى السحرة تلك المعجزة آمنوا بموسى وربه وسجدوا لله قائلين‏:‏ ‏{‏آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وموسى‏}‏ وعلموا أن ما جاء به موسى ليس سحرا‏.‏

وقال رئيس السحرة‏:‏ كنا نغلِب الناسَ بالسحر، فلو كان هذا سحرا فأين الذي ألقيناه من حبال وعصي، أي ذهبت‏؟‏ ما هذه العصا الصغيرة التي تأكل كل ما عندنا‏؟‏ ان هذا ليس سحرا، انما هو شيء آلهي خارق للعادة‏؟‏ ولذلك آمنوا وخرّوا ساجدين‏.‏

قال صاحب الكشّاف‏:‏ سبحان الله، ما أعجبَ أمرهم، قد القوا حبالهم وعصيَّهم للكفر الجحود، ثم ألقوا رؤوسَهم ساعةٍ للشكر والسجود‏!‏‏!‏ وقال ابن عباس رضي الله عنه‏:‏ كانوا اول النهار سحَرة، وفي آخره شهداء بررة، لأن فرعون قتلهم‏.‏

ولما خاف فرعون أن يصير ايمانهم سبباً لاقتداء الناس بهم في الإيمان‏.‏

‏{‏قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذي عَلَّمَكُمُ السحر‏}‏‏.‏

قال فرعون‏:‏ كيف تؤمنون بهدون إذنٍ مني‏؟‏ إنكم تلاميذُ موسى في السحر وهو كبيركم الذي علمكم إياه، وليس عمله معجزةً كما توهمتم‏.‏

ثم هددهم بالقتل والتعذيب تحذيراً لغيرهم من الاقتداء بموسى وهارون‏:‏ فقال‏:‏

‏{‏فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ‏}‏‏.‏

وأقسم إني لأقطعنّ من كل واحدٍ منكم يدَه ورجلَه المتختلفتين، يده اليمنى، ورجله اليسرى‏.‏

ولم يكتفِ بذلك بل قال‏:‏ ‏{‏وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل‏}‏‏.‏ زيادة في التعذيب والإيلام، وتشهيرا بهم‏.‏ ولاجعلنكم مُثْلَةً يتعجّب منها الناس‏.‏

ثم يزيد استعلاء بقوته وجبروته فيقول‏:‏ ‏{‏وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وأبقى‏}‏‏.‏

وسوف ترون من هو الذي يكون أشدَّ عذاباً، انا، أم آله موسى وهارون‏؟‏

لم يكن يعلم أنه فاتَ الاوان، وان الإيمان قد بلغ ذِروتَه في قلوبهم، وهانت عليهم نفوسُهم في الله، فلن يأبهوا لوعيده وتهديده، فأجابوه مطمئين‏:‏

‏{‏قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ على مَا جَآءَنَا مِنَ البينات والذي فَطَرَنَا‏}‏‏.‏

اراد فرعون من السحرة ان يرجعوا عن إيمانهم، فثبتوا عليه، ودفعوا تهديده بقولهم‏:‏ لن نختارك على ما جاءنا من الهدى، وعلى خالِقنا الذي فطرنا وانشأَنا من العدم‏.‏

‏{‏فاقض مَآ أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هذه الحياة الدنيآ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏

افعل ما تريد، إن سلطانك وحكمك لا يتجاوز هذه الحياة الدنيا‏.‏

آمنّ بربنا الحق، ليغفرَ لنا ما سلف من الخطايا، وعن ممارسة السحر الذي أكرهَتنا على تعلُّمه والعملش به‏.‏

‏{‏والله خَيْرٌ وأبقى‏}‏

خيرٌ منك يا فرعون ومن ثوابك، وأبقى منك سلطانا وقدرة‏.‏

ثم ختم السحرة كلامهم بهذه الآيات التي تبيّن حال المجرمين، وحال المؤمنين يوم القيامة وم ينتظر كلاً منهم‏.‏

‏{‏إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يحيى‏}‏‏.‏

إن من يلقى الله وهو مجرم بكفره يكون مصيره الى جهنم لا يموت فيها فينتهي عذابه، ولا يحيى حياة طيبة ينتفع فيها بالنعيم‏.‏

‏{‏وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصالحات فأولئك لَهُمُ الدرجات العلى‏}‏‏.‏

أما من يلاقي ربه على الإيمان وصالح الاعمال، فله المنازل الرفيعة، والدرجاتُ العالية‏.‏

ثم فسر تلك المنازل والدرجات بقوله‏:‏

‏{‏جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا وذلك جَزَآءُ مَن تزكى‏}‏‏.‏

تلك المنازل هي جنات الاقامة الدائمة، في نعيمٍ خالد، تجري بين اشجارها الأنهار، وذلك الفوز الذي أوتوه جزاءٌ لمن طهّر نفسه من الكفر بالايمان الطاعة والاعمال الصالحة‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ حفص‏:‏ تلقفْ بفتح القاف وسكون الفاء‏.‏ وقرأ ابن عامر‏:‏ تلقّفُ‏:‏ بتشديد القاف ورفع الفاء‏.‏ والباقون‏:‏ تلقف‏:‏ بتشديد القاف وسكون الفاء‏.‏ وقرأ حمزة‏:‏ كيد سحر‏.‏ والباقون كيد ساحر‏.‏ قرأ حفص وابن كثير وورش‏:‏ أمنتم، فعل ماض على انه خبر‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ أآمنتم بهمزتين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏77- 82‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى ‏(‏77‏)‏ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ ‏(‏78‏)‏ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى ‏(‏79‏)‏ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ‏(‏80‏)‏ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى ‏(‏81‏)‏ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ‏(‏82‏)‏‏}‏

أسرِ بعبادي‏:‏ سر بهم ليلا‏.‏ اضرب لهم طريقا في البحر يَبَسا‏:‏ افتح لهم طريقا يابسا لا ماء فيه‏.‏ لا تخاف دَرْكا‏:‏ لا تخاف ان يلحقك احد‏.‏ دركا‏:‏ لَحقا‏.‏ فغضيهم من اليم ما غشيهم‏:‏ فغمرهم من البحر ما علاهم‏.‏ واضلّ فرعونُ قومه‏:‏ صرفهم عن طريق الرشد والهداية‏.‏ ولا تطغوا فيه‏:‏ لا تأخذوه من غير حاجة اليه‏.‏ هوى‏:‏ سقط‏.‏

‏{‏وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي‏.‏‏.‏‏.‏ الآية‏}‏‏.‏

لم يذكر في هذه السورة ما الذي حصل بعد مواجهة موسى لفرعون وقومه حيث آمن السحرة وبنو اسرائيل ‏(‏ولقد فصّل ذلك في سورة اخرى‏)‏ وانما انتقل الكلام هنا الى الهجرة والنصر الكبير الذي حصل عند عبور البحر وغرقِ فرعون وجنوده‏.‏ ثم أتبع ذلك بتعدادِ نعمه على بني اسرائيل، وذكّره بأن يكونوا معتدلين فلا يأتوا أعمالاً توجب غضبه، وانه غفار لمن تاب وآمن‏.‏

وأوحى الله الى موسى ان يخرج ببني إسرائيل ليلا، وان يشقّ لهم طريقا في البحر، وطمأَنه ان لا يخاف من فرعون فإنه لن يدركهم‏.‏

وضرب موسى بعصاه البحر، فانشق شقَّين، كل جانب كأنه طودٌ عظيم كما جاء في سورة الشعراء ‏{‏فانفلق فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطود العظيم‏}‏، واجتازه موسى ومن معه‏.‏

وتبعهم فرعونُ وجنوده، ودخلوا الطريق نفسها فانطبق عليهم الماء، وغشيَهم من اليمّ ما غشيَهم، وغرقوا جميعا‏.‏ هكذا اضل فرعون قومه عن الحق، وغرّر بهم فهلكوا‏.‏

ثم عدد الله نعمه عليهم فقال‏:‏

‏{‏يابني إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

لقد أنجيناكم من عدوّكم فرعونَ وجنودِهِ حين كانوا يسومونكم سوءَ العذاب، وقد أقرّ الله أعينكم بغرقِهم وأنتم تنظرون، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 50‏]‏‏.‏

‏{‏وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطور الأيمن‏}‏‏.‏

وواعدناكم جانب الطور الأيمن بمناجاةِ موسى لربه وإنزال التوراة عليهم، ونَزَّل عليكم المنَّ والسلوى رزقاً طيباً من الحلو ولحم الطير الشهي‏.‏ وقلْنا لكم‏:‏ كلوا من تلك اللذائذ التي أنعمنا بها عليكم، ولا تطغوا فيه‏:‏ لا تظلموا وتبطَروا فتركبوا المعاصي ولا تُسرفوا بل عيشوا في هذه النعم، حتى لا ينزل عليكم غضبي، ومن ينزل عليه فقد هلك‏.‏

وإني لذو مغفرة عظيمة لمن يتوب عن شِركه، ويقلع عن ذنبه، ويخلص في العمل، ويؤدي فرائضي‏.‏ فهذه أربعة شروط كاملة تتحقق بها التوبة الحقيقية‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ الجمهور‏:‏ قد انجيناكم، وواعدناكم بنون الجمع‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي وخلف‏:‏ قد أنجيتك من وواعدتكم، وقرأ الجمهور‏:‏ «ما رزقناكم» بنونالجمع، وقرأ حمزة والكسائي وخلف‏:‏ «ما رزقتكم» بتاء المفرد‏.‏

قرأ حمزة‏:‏ لا تخف دركا‏.‏ والقاون‏:‏ لا تخاف دركا‏.‏ وقرأ الكسائي‏:‏ فيحلّ عليكم غضبي‏:‏ بضم الحاء، ومن يحلل عليه غضبي‏:‏ بضم اللام‏.‏ والباقون‏:‏ بالكسر فيحِل، ومن يحلِل عليه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏83- 89‏]‏

‏{‏وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى ‏(‏83‏)‏ قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ‏(‏84‏)‏ قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ‏(‏85‏)‏ فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ‏(‏86‏)‏ قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ‏(‏87‏)‏ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ ‏(‏88‏)‏ أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ‏(‏89‏)‏‏}‏

ما أعجلك عن قومك‏:‏ لماذا تركت قومك، فلقد غيروا وبدلوا بعدك‏.‏ على اثري‏:‏ لاحقون بي‏.‏ فتنّا قومك‏:‏ اختبرناهم‏.‏ وأضلّهم‏:‏ اوقعهم في الضلال‏.‏ السامريّ‏:‏ دجال من شعب اسرائيل‏.‏ أسِفا‏:‏ حزينا‏.‏ فاخلفتم موعدي‏:‏ ما وعدتموني من الثبات على الايمان‏.‏ بملكنا‏:‏ بقدرتنا واختيارنا‏.‏ اوزارا‏:‏ اثقالا‏.‏ من زينة القوم‏:‏ من حليهم ومصاغهم‏.‏ فقذفناها‏:‏ طرحناها في النار‏.‏ جسدا‏:‏ جثة لا روح فيها‏.‏ له خوار‏:‏ لو صوت‏.‏

‏{‏وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ ياموسى‏}‏‏.‏

سأله ربه عن سبب تعجُّله بالمجيء إليه وتركِ قومه خلفه، والله اعلم بما سأل‏.‏ فقال موسى مجيبا‏:‏

‏{‏قَالَ هُمْ أولاء على أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لترضى‏}‏‏.‏ انهم لاحقون بي، وإنما عجِلتُ إليك وتقدمتُهم يا ربي رغبةً في رضاك‏.‏

يقول بعض المفسرين‏:‏ ان موسى ذهب الى الميعاد قبل الوقت المحدد وترك قومه وراءه ليلحقوا به، وهذا سببُ لومِ ربه له على الاستعجال بالمجيء‏.‏

والقصة هنا مختصرة، وقد مرت مفصلة في سورة البقرة وسورة الأعراف، وذلك ان موسى لما نجا هو وقومه من فرعون، واستقر في سيناء، واعَدَه ربه، وضرب له ميقاتا كما جاء في سور الاعراف 142 ‏{‏وَوَاعَدْنَا موسى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ الآية‏}‏ فذهب إلى ربه عند الطور، وكلّمه وتلقّى عنه‏.‏ وكان استخلف أخاه هارون على بني اسرائيل‏.‏ فجاءهم السامريّ وأضلهم بجعلِه لهم عِجلاً من الذهب له صوتٌ، فعكفوا عليه يعبدونه، ولم يستطع هارون ان يردّهم عن غيّهم وكفرهم‏.‏ وقد اخبره ربه بأن قومه من بعده قد ضلّوا فقال‏:‏

‏{‏قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السامري‏}‏‏.‏

لقد أوصلهم الى اتخاذ العجلِ إلهاً والدعاء الى عبادته، وظهر عندهم الاستعداد لذلك، لأنهم حديثو عهد بالوثنية في مصر‏.‏ وفي سورة الاعراف سألوا موسى ان يجعل لهم إلها كما للقوم الذين مرّوا عليهم آلهة‏:‏ ‏{‏فَأَتَوْاْ على قَوْمٍ يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ ياموسى اجعل لَّنَآ إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ‏}‏‏.‏

‏{‏فَرَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً‏}‏‏.‏

عاد موسى الى قومه بعد ان قضى الميعاد وهو في غضبٍ شديد وحزنٍ لِما أحدثوه بعده، وخاطب قومه منكِرا عليهم عملهم‏:‏

‏{‏قَالَ ياقوم أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً‏}‏‏.‏

لقد وعدكم ربكم بالنجاة والهداية بإنزال التوراة، والنصر، فهل تناسيتُم وعدَ ربكم‏؟‏‏.‏

‏{‏أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد‏}‏‏.‏

لم يطل عليكم العهدُ حتى تنسوا وعد الله لكم، أم أردتم بسوء صنيعكم ان ينزل بكم غضبُ الله جزاء عبادتكم العجلَ، فأخلفتم عهدَكم لي‏!‏‏!‏

فاعتذروا بعذرٍ عجيب إذ قالوا‏:‏ ‏{‏قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا‏}‏‏.‏

نحن لم نخلفْ موعدك باختيارنا، ‏{‏ولكنا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ القوم فَقَذَفْنَاهَا‏}‏ وإنّما غَلَبَنا السامريّ وحملنا أثقالاً من حَلي المصريين الذي خرجنا به، فقذفناها في النار بإشارة السامريّن فصاغ لنا عجْلاً جسدا له صوت‏.‏

‏{‏فَقَالُواْ هاذآ إلهكم وإله موسى فَنَسِيَ‏}‏‏.‏

قال السامري ومن تبعه‏:‏ هذا معبودُكم ومعبود موسى، ونسيَ السامري ربَّه فعمل هذا العمل السّيء وأضلَّ به القوم‏.‏

وقال عدد من المفسرين‏:‏ نسي موسى الطريق الى ربه وضلّ عنه، وهذا غير واضح‏.‏ وتكلم المفسرون في السامري كلاماً طويلا، عن أصله، واسمه وهل هو من بني اسرائيل او هو قبطي‏.‏ وهذا كله كلام طويل لا طائل تحته‏.‏ والسامري يهودي من بني اسرائيل دحّال‏.‏

ثم ردّ عليهم الله سبحانه مقبّحاً افعالهم، مسفِّهاً أحلامهم بقوله‏:‏

‏{‏أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً‏}‏‏.‏

افلا يعتبرون ويتفكرون في ان هذا العِجل لا يتكلم ولا يردّ على اقوالهم، وانه لا يستطيع ان يدفع عنهم ضرراً، ولا ان يجلب لهم نفعا، فكيف يتخذونه إلهاً‏!‏ وتقدير الكلام‏:‏ أفلا يرون انه لا يرجعُ اليهم قولاً‏.‏

وليس اتخاذ العجل من الذهب إلهاً بغريب على اليهود، فإنهم عبيد الذهب والمادة منذ خُلقوا‏.‏ ومن يقرأ التلمود يجد العجائب في استحلال كل شيء في سبيل المال والحصولِ عليه، فهم يحلّلون كل وسيلة في أخذ المال من غير اليهود لأن كل ما في الارض لهم وحدهم‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ الجمهورك على أثري بفتح الهمزة‏.‏ وقرأ رويس عن يعقوب‏:‏ على إثري بكسر الهمزة وسكون الثاء‏.‏ قرأ نافع وعاصم‏:‏ بملكنا بفتح الميم‏.‏ وقرأ ابن كثير وابن عامر وابو عمرو ويعقبو‏:‏ بملكنا بكسر الميم‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي وخلق‏:‏ بملكنا بضم الميم وهي ثلاث لغاة‏.‏ وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب‏:‏ حملنا بضم الحاء وتشديد الميم المكسورة‏.‏ وقرأ ابو بكر وحمزة وابو عمرو والكسائي‏:‏ حملنا بفتح الحاء والميم مخففة بدون تشديد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏90- 98‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ‏(‏90‏)‏ قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى ‏(‏91‏)‏ قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ‏(‏92‏)‏ أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ‏(‏93‏)‏ قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ‏(‏94‏)‏ قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ ‏(‏95‏)‏ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ‏(‏96‏)‏ قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ‏(‏97‏)‏ إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ‏(‏98‏)‏‏}‏

انما فتنتم به‏:‏ اتبعتم اهواءكم في عبادة العجل‏.‏ لن نبرح عليه عاكفين‏:‏ لا نزال عليه مقيمين‏.‏ ولم ترقب قولي‏:‏ لم تحفظ وصيتي ولم تعمل بقولي‏.‏ فما خطبك‏:‏ فما شأنك‏.‏ بصرُت بما لم يبصروا به‏:‏ علمت ما لم يعلمه القوم‏.‏ قبضة من اثر الرسول‏:‏ الرسول جبريل او موسى‏.‏ فنبذتها‏:‏ فطرحتها‏.‏ سولت نفسي‏:‏ زينت وحسنت‏.‏ لا مساس‏:‏ لا مخالطة، فلا يخاطله احد، فعاش وحيدا طريدا‏.‏ لن تخلفه‏:‏ سيأتيك حتما‏.‏ ظلت‏:‏ ظللت، اقمت‏.‏ اليمّ‏:‏ البحر‏.‏

‏{‏وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ ياقوم إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

في هذه الآيات تتمةٌ للقصة، فقد نصح هارونُ لقومه الذين عبدوا العِجل قبل رجوع موسى، فقال لهم‏:‏ يا قوم، ما الذي غركم من عبادة هذا العجل فوقعتم في فتنة السامري‏؟‏ إن إلهكم الحق هو الرحمن، فاتبعوني فيما أنصحكم به واطيوني أهدِكم سبيل الرشاد‏.‏ فلم يسمعوا نصحة، ولم يطيعوا أمره وأجابوه بعناد‏:‏

‏{‏قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حتى يَرْجِعَ إِلَيْنَا موسى‏}‏‏.‏

سنبقى مستمرّين على عبادة العجل الى أن يعود إلينا موسى‏.‏

وجاء موسى‏:‏ فالتفت الى أخيه هارون بعد ان فرغ من خطاب قومه وبيان خطأهم‏.‏ ‏{‏قَالَ ياهرون مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضلوا أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي‏}‏‏.‏

قال موسى متأثرا مما رآه من عمل قومه‏:‏ يا هارون، اي سبب منعك ان تلحقني الى الطور بمن آمنَ معك من قومك، حين رأيت الباقين قد ضلّوا بعبادتهم للعجل‏؟‏ أخرجتَ عن طاعتي وخالفت امري‏؟‏‏.‏ فقال هارون مجيباً أخاه في رفق ولين‏:‏

‏{‏قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إِسْرَآئِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي‏}‏‏.‏

قال هارون لموسى‏:‏ يا ابن أمي، لا تغضبْ عليّ ولا تجرَّني بلحيتي، ومن شعر رأسي‏.‏ لقد خفتُ إن شددتُ عليهم ان يتفرقوا، فتقول لي‏:‏ لقد فرّقت بين بني اسرائيل، ولم تخلُفْني فيهم كما أمرتُك، ولم تحفظ وصيتي كما عهدت اليك‏.‏ وقد رأيت من الصواب ان أحفظ العامة، وأداريهم على وجه لا يختلّ به نظامهم حتى ترجع فنتداركَ الأمر بحسب ما ترى‏.‏ ولقد كادوا يقتلونني، كما جاء في سورة الأعراف الآية 50 ‏{‏إِنَّ القوم استضعفوني وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي‏.‏‏}‏ وبعد ان انتهى موسى من سماع اقوال قومه واسنادهم الفساد الى السامري، ومن سماع اعتذار هارون، التفت الى السامري ووجه الخطاب اليه‏:‏

‏{‏قَالَ‏:‏ فَمَا خَطْبُكَ ياسامري‏}‏‏.‏

ما هذا المر الخطيب الذي أتيتَ، وأفسدتَ به بني اسرائيل‏؟‏‏.‏ ‏{‏قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول فَنَبَذْتُهَا وكذلك سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي‏}‏‏.‏

قال السامري لموسى‏:‏ إني علمتُ ما لم يعلمه قومك، وصنعتُ لهم العِجل من الذهب فعبدوه‏.‏ وقد اتّبعتُك مدةً واخذتُ من دينك، ثم تبيّن لي أنه غير صحيح فتركته‏.‏

كذلك زينتْ لي نفسي أن أفعلَ ما فعلته‏.‏

فكأن السامريّ يريد ان يهرب نم ذكر الحقائق ويموّه على موسى‏.‏

هذا ما أراه أقرب الى الصواب في تفسير هذه الآية، وبهذا المعنى قال عدد من المفسرين المحديثن، ولكن اكثر المفسّرين القدامى قالوا‏:‏ إن المراد بالرسول هو جبريل، وان السامريّ رآه راكبا على فرس، واخذ ترابا من أثرِ الفرس، وألقاه على العِجل حتى صار له خوار‏.‏ وذكروا أقوالا كثيرة، وروايات عديدة‏.‏ ‏!‏‏!‏

وهناك معركة كبيرة بين المرحوم عبد الوهاب النجار، ولجنة من علماء الأزهر حول السامري والعجل وحقيقتهما، لمن اراد الاطلاع عليها ان يجدها في كتاب «قصص الانبياء» ص 220- 223‏.‏

‏{‏قَالَ فاذهب فَإِنَّ لَكَ فِي الحياة أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

قال موسى للسامري‏:‏ اذهبْ فأنت طريدٌ لا يمسّك أحد، ولا تمس أحداً، بعيداً عن الناس، معزولا عنهم، لا يخالطك احد‏.‏

وخرج السامري طريدا في البراري‏.‏ هذا جزاؤه في الدنيا‏.‏ أما في الآخرة فله موعدٌ محدد لعذابه لا مفرّ منه‏.‏ وقد ند موسى به وبالهه قائلا‏:‏ انظر الى إلهك الذي عبدته، ماذا نصنع به‏؟‏ سنحرقه ونلقيه في البحر حتى نتخلّص منه‏.‏

ثم يعلنُ بعد ذلك كلّه حقيقة العقيدة، والدين الحق فيقول‏:‏

‏{‏إِنَّمَآ إلهكم الله الذي لا إله إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً‏}‏‏.‏

وبهذه الآية وما فيها من غعلان عن الاله الحقيقي الذي لا اله الا هو ينتهي هذا القدْر من قصة موسى في هذه السورة، وتتجلى فيه رحمةُ الله ورعايته بحَمَلِة دعوته من عباده‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ الجمهور‏:‏ يا ابن أمّض بفتح الميم‏.‏ وقرأ ابن عامر وحمزية والكسائي وابو بكر وخلف‏:‏ يا ابن أُم بكسر الميم‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ بصرت بما لم يبصروا‏:‏ بالياء‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي وخلف‏:‏ بما لم تبصروا بالتاء، على انه خطاب لموسى وقومه‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ لن تخلفه‏:‏ بفتح اللام‏.‏ وقرأ ابن كثير ويعقبوك لن تخلفه‏:‏ بكسر اللام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏99- 112‏]‏

‏{‏كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا ‏(‏99‏)‏ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا ‏(‏100‏)‏ خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا ‏(‏101‏)‏ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ‏(‏102‏)‏ يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا ‏(‏103‏)‏ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا ‏(‏104‏)‏ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا ‏(‏105‏)‏ فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا ‏(‏106‏)‏ لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا ‏(‏107‏)‏ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا ‏(‏108‏)‏ يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ‏(‏109‏)‏ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ‏(‏110‏)‏ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ‏(‏111‏)‏ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ‏(‏112‏)‏‏}‏

ذِكراً‏:‏ القرآن‏.‏ ومن اعرض‏:‏ من كذب‏.‏ وزرا‏:‏ حملا، وقد فسره في الآية التي بعدها‏.‏ الصور‏:‏ قرن ينفخ فيه ويدعى لاناس الى المحشر‏.‏ زرقا‏:‏ الوانهم متغيرة‏.‏ يتخافتون‏:‏ يتحدثون بصوت خفي‏.‏ أمثلهم‏:‏ افضلهم‏.‏ ينسفها‏:‏ يجعلها كالغبار‏.‏ يذرُها‏:‏ يتركها‏.‏ قاعا‏:‏ ارضا ملساء‏.‏ صفصفا‏:‏ مستوية‏.‏ عِوجا‏:‏ انخفاضا‏.‏ امتا‏:‏ نتوءا يسيرا‏.‏ لا عوج له‏:‏ مستقيم‏.‏ همسا‏:‏ صوتا خفيا‏.‏ عنت‏:‏ خضعت، ذلّت‏.‏ القيوم‏:‏ القائم بتدبير الأمور‏.‏ هضما‏:‏ نقصا، بخسا‏.‏

بعد ان ذكر الله تعالى قصص موسى مع فرعون ثم السامريَّ وفتنته، بيّن للرسول الكريم في هذه الآيات ان مثل هذا القصص عن الأمم الماضية يلقيه سبحانه وتعالى إليه تسلية لقلبه وإذهابا لحزنه حتى يعلم ان ما يحدث له قد حدث مثلُه للرسل من قبله‏.‏

‏{‏مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القيامة وِزْراً‏}‏ ان من كذّب بهذه القرآن واعرض عن اتّباعه، فانه يضل في حياته، ويأتي يوم القيامة حاملاً إثم عناده، ويجازَى بالعذاب الشديد‏.‏ وسيكون هؤلاء خالدين في ذلك العذاب‏.‏

‏{‏وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ القيامة حِمْلاً‏}‏‏.‏

بئس الحمل الي حملوه من الأوزار في ذلك اليوم العصيب‏.‏ ذلك اليوم الذي يُنفخ فيها بالصور، ويُساق المجرمون الى المحشَر زُرق الالوان، يرهق وجوهَهم الذلّ، يتهامسون بينهم من الرعب، ويقول بعضهم لبعض ما لبثتم في الدنيا إلا عشرةَ أيام‏.‏

والله يسمع تهامسهم وهو أعلمُ بما يقولون بينهم، كما يعلم ما يقول أعدَلُهم رأياً واكملهم عقلا‏:‏ ما لبثتم إلا يوما واحدا‏.‏

ويسألك المنكرِون للبعث ايها الرسول عن مصير الجبال يوم القيامة، فقل لهم‏:‏ ان الله تعالى يفتّتها، ثم ينسِفها هباء‏.‏

اخرج ابنُ المنذر عن ابن جريرج قال‏:‏ قالت قريش يا محمد، كيف يفعل ربك بهذه الجبال يوم القيامة‏؟‏ فنزلت ‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

ثم بعد ذلك يدع أماكنها بعد نسفِها ملساءَ مستوية، ولا تبصِر العين في الأرض انخفاضا ولا ارتفاعا، وكأنها لم تكن معمورة من قبل‏.‏

‏{‏يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الداعي لاَ عِوَجَ لَهُ‏}‏‏.‏

يومئذ يرى الناس هذه الاهوال، يتّبعون داعي الله الى المحشر، يجمعهم فيه الى موقف الجزاوء والحساب، ولا يستطيع احد ان يعدل عنه‏.‏

‏{‏وَخَشَعَتِ الأصوات للرحمن‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

بالسكون والرهبةِ لعظَمة الله، فلا تسمع إلا صوتاً خفيّا لا يكاد يبين‏.‏

يومئذ لا تنفع الشفاعة من أحد، الا من أكرمه الله فأذِن له بالشفاعة، ورضي قولَه فيها، ولا تنفع الشفاعة في أحد الا من أذِن الرحمن في ان يُشفع له‏.‏

والله تعالى يعلم ما تقدّم من امورهم في دنياهم، وما يستقبلونه في الآخرة، ولا يحيطون علماً بتدبيره وحكمته‏.‏

وكما ذكر سبحانه وتعالى خشوع الاصوات أتبعَه خضوعَ ذويها فقال‏:‏

‏{‏وَعَنَتِ الوجوه لِلْحَيِّ القيوم وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً‏}‏‏.‏

استسلمت الخلائق لخالقها الحيّ الذي لا يموت، القائم على خلقه بتدبير شئونهم‏.‏ في ذلك اليوم خسر النجاة كل من ظلم نفسه في الدنيا فأشرك بربه‏.‏

وبعد ان ذكر أهوال يوم القيامة بيّن حال المؤمنين في ذلك اليوم فقال‏:‏

‏{‏وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً‏}‏‏.‏

أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وجاؤا ربَّهم في ذلك اليوم، فإنهم في كَنَفِ الله وضيافته، لا يخافون من ظلمٍ ولا نقصٍ لحقوقهم‏.‏ ‏{‏وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 97‏]‏‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ الجمهور‏:‏ يوم ينفخ في الصور بالياء، وقرأ ابو عمرو وحده‏:‏ ننفخ بالنون‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ فلا يخاف ظلماً ولا هضما‏:‏ بالياء‏.‏ وقرأ ابن كثير‏:‏ فلا يخف بالجزم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏113- 122‏]‏

‏{‏وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا ‏(‏113‏)‏ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ‏(‏114‏)‏ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ‏(‏115‏)‏ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى ‏(‏116‏)‏ فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ‏(‏117‏)‏ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى ‏(‏118‏)‏ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى ‏(‏119‏)‏ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ‏(‏120‏)‏ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ‏(‏121‏)‏ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ‏(‏122‏)‏‏}‏

صرفنا‏:‏ كررنا وفصلنا‏.‏ ذكرا‏:‏ عظمة وعبرة‏.‏ لا تضحى‏:‏ لا تبرز للشمس، ولا تتعب‏.‏ طفقا يخصفان‏:‏ شرعا يلزقان ورق الجنة‏.‏ غوى‏:‏ ضل‏.‏ اجتباه‏:‏ اصطفاه وقربه‏.‏

‏{‏وكذلك أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

وكما انزلنا ما ذُكر من البيان الحق الذي سلف في هذه السورة، كذلك أنزلنا القرآن كلَّه بأسلوب عربي واضح، وصَرَّفنا فيه القول في أساليب الوعيد ليجتنبوا الشِرك والوقوعَ في المعاصي، او يتذكروه غذا اذنبوا فيتوبوا الى الله ويسألوه العفو‏.‏

‏{‏فتعالى الله الملك الحق‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

تقدّس الله المتصرفُ بالأمر والنهي، المحقُّ في أُلوهيته وعظمته‏.‏ ولا تَعْجَلْ يا محمد بقراءة القرآن من قبلِ ان يُتمَّ جبريلُ تبليغه اليك‏.‏ أَنصِتْ حين نزول الوحي بالقرآن عليك، حتى يفرغ المَلَكُ من قراءته، ثم اقرأه بعده‏.‏

‏{‏وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً‏}‏‏.‏

بالقرآنِ ومعانيه وكل شيء‏.‏ وهذا يدل على فضيلة العلم، فان الله تعالى لم يأمر رسوله بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم‏.‏ ولقد قام الاسلام على العلم والتعلم من بدايته، وبالعلم سيطرت الأمم المسيطِرة في الوقت الحار، ولو أننا اتّبعنا القرآن حق اتباعه لكنّا اليومَ في الذروة من كل شيء‏.‏

وسبب نزول هذه الآية ان الرسول الكريم كان اذا لقَّنه جبريلُ الوحي، يتبعه عند تلفظ كل كلمةٍ وكل حرف، لكمالِ اعتنائه بالتلقّي والحفظ، فأرشده الله الى التأني ريثما يسمعه ويفهمه‏.‏ ونحوه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ‏}‏ ‏[‏القيامة‏:‏ 16- 19‏]‏‏.‏

روى الترمذي عن ابي هريرة قال‏:‏ «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏» اللهمّ انفعني بما علّمتني، وعلّمني ما ينفعني، وزِدني علما، والحمدُ لله على كل حال، واعوذ باللهِ من حالِ أهل النار «

قراءات‏:‏

قرأ يعقوب‏:‏ من قبل أن نقضي اليك وحيه‏.‏ بفتح النون وكسر الضاد ونصب وحيه‏.‏ والباقون‏:‏ من قبل ان يُقضَى اليك وحيُه، بضم الياء ورفع وحيه‏.‏

‏{‏وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إلى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً‏}‏‏.‏

بعد تلك الجولة الطويلة في قصة موسى، والعرضِ الموجز لأحوال القيامة وتذكيرِ الناس بأهوال ذلك اليوم العظيم، ثم ذكرِ القرآن وما فيه من وعيد ومن احكام، والأمر للرسول ان لا يعجل في تلقّيه خوف ان ينسى- يأتي الحديث هنا عن قصة آدم‏.‏ فقد نسيَ آدمُ ما عهِد الله به اليه، وضَعُفَ أمام الإغراء بالخلود فاستمع لوسوسةِ الشيطان‏.‏ وكان هذا ابتلاءً من ربّه قبل ان يعهد اليه بخلافة الأرض‏.‏ ثم تداركت رحمةُ الله آدم فاجتباه وهداه‏.‏

ولقد وصينا آدم وقلنا له أن لا يخالف لنا أمرا، فنسي العهدَ وخالف، ولم نجدْ له ثباتا في الرأي، ولا تصميماً قوياً يمنع من ان يتسلل الشيطان الى نفسه بوسوسته‏.‏

وكل هذا العرض بإجمال لأنه فصِّل في سورة البقرة والأعراف والحِجر والإسراء والكهف‏.‏

ثم بين الله تعالى ما عهد اليه به وكيفية نسيانه وفقدان عزمه فقال‏:‏

‏{‏وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسجدوا لآدَمَ فسجدوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

اذكر ايها الرسول حين امرنا الملائكةَ ان يسجدوا لآدم سجودَ تعظيم، فامتثلوا ولبّوا الأمر، إلا ابليس الذي امتنع وأبى ان يكون من الساجدين‏.‏

فقلنا يا آدم ان هذا الذي رأيتَ منه ما رأيت عدوٌّ لك ولزوجتك، فاحذرا وسوستَه فلا يكونن سبباً إلخراجكما من الجنة فتشقى يا آدم بعد الخروج‏.‏ إن في هذه الجنة عيشا هينئاً رغداً بلا كلفة ولا مشقة، فلا جوع فيها ولا عُري، ولا ظمأ ولا حر شمس‏.‏

‏{‏فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشيطان‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

بعد ان بين الله أنه عظّم آدم وعرّلإه شدة عداوة ابليس، ذكر هنا أن آدم أطاعَ إبليس، وأكلض من الشجرة المحرّمة عليه، لأن إبليسَ جاءه وقال له‏:‏ هل أدلّك على شجرةٍ إن اكلتَ منها خلّدت ولم تمتْ أبدا‏!‏‏؟‏ فنسي آدم العهد وأكل هو وزوجته، وخالفا أمر ربهما، فظهرت لهما عوراتُهما جزاء مخالفتهما الأوامر الربانية، وصارا يقطعان من ورقِ شجر الجنّة، ويستران بها ما بدا منهما‏.‏

‏{‏وعصى ءَادَمُ رَبَّهُ فغوى‏}‏‏.‏

خالف آدم أمر ربه، فحُرِم الخلد، وأفسد على نفسه تلك الحياة الهنيئة التي كان يعيشها‏.‏

‏{‏ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وهدى‏}‏‏.‏

ثم ادركتْ آدمَ وزوجتَه رحمةُ الله بعد ما عصاه، فاصطفاه للرسالة، وقبل توبته، وهداه الى الخير‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ نافع وابو بكر‏:‏ ‏(‏وإنك‏)‏ لا تظمأ فيها، بكسر ان‏.‏ والباقون‏:‏ ‏(‏وأنك‏)‏ بفتح الهمزة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏123- 129‏]‏

‏{‏قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ‏(‏123‏)‏ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ‏(‏124‏)‏ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ‏(‏125‏)‏ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ‏(‏126‏)‏ وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ‏(‏127‏)‏ أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى ‏(‏128‏)‏ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى ‏(‏129‏)‏‏}‏

معيشة ضنكا‏:‏ معيشة ضيقٍ شديد‏.‏ أعمى‏:‏ أعمى البصيرة‏:‏ فنسيتَها‏:‏ فتركتها‏.‏ وكذلك اليوم تُنسى‏:‏ تترك‏.‏ لأولي النهى‏:‏ لذوي العقول‏.‏ لزاماً‏:‏ لازما لهم‏.‏

أمر الله آدم وزوجته ان يخرجا من الجنة، فقال لهما انزِلا منها الى الأرض، وأخبرَهَما بان العداوة ستكون بين ذريتهما، وان الله تعالى سيمدّهم بالهدى، فمن استقام واتبع الهدى منهم فإنه لا يضِلّ في هذه الحياة، ولا يشقى بالعذاب‏.‏

روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ان قال‏:‏ «من اتبع كتاب الله هداه الله من الضلالة في الدنيا، ووقاه سوء الحساب يوم القيامة» ومن أعرضَ عن هدى الله وطاعته، فإن له معيشةً ضيقة شديدة ‏{‏وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أعمى‏}‏ أي أعمى البصيرة عاجزاً عن الحُجّة التي عيتذر بهان فيسأل ربَّه في هذا الموقف الحرج‏:‏

‏{‏قَالَ رَبِّ لِمَ حشرتني أعمى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً‏}‏‏.‏

فيقول‏:‏ يا ربّ، لِمَ حشرتَني أعمى عن حجتي وعن رؤية الاشياء على حقيقتها وقد متُ في الدنيا ذا بصرٍ بذلك‏؟‏‏.‏

فيجيبه ربه بقوله‏:‏ ‏{‏‏.‏‏.‏‏.‏ كذلك أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وكذلك اليوم تنسى‏}‏‏.‏

لقد جاءتك آياتنا ورسُلنا في الدنيا فنسيتها، وتعاميتَ عنها، وكذلك اليوم تُترك وتنسى‏.‏

وهكذا نعاقِب في الدنيا من أسرفَ فعصى ربه ولم يؤمن به وبرسُله، وان عذاب الآخرة في النار أشدّ أَلما، واكثر بقاء، لأنه لا نهاية له‏.‏

‏{‏أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ القرون يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النهى‏}‏‏.‏

افلم يرشدْهم الى وجهِ العِبرَ، إهلاكُنا لكثيرٍ من الأمم الماضية قبلهم بسبب كفرهم، ولم يتّعظوا بهم مع أنهم يمشُون في ديارِهم ومساكنهم، ويشهدون آثار ما حلّ بهم من العذاب‏!‏ ان ما يشاهدون، ويرون من آثار ما حلّ بهم لدلائلَ وعبراً واضحة لأصحاب العقول الراجحة‏.‏

ولولا حكمٌ سبقَ من ربك بتأخير العذاب عنهم إلى أجلٍ مسمّى هو يوم القيامة، لكان العذابُ لازماً لهم في الدنيا، كما حل بأصحاب القرون الماضية‏.‏ وتقدير الكلام‏:‏ ولوا كلمة واجلٌ مسمى لكان العذابُ لِزَاماً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏130- 132‏]‏

‏{‏فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى ‏(‏130‏)‏ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ‏(‏131‏)‏ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ‏(‏132‏)‏‏}‏

آناء الليل‏:‏ ساعاته‏.‏ مفردها إنْيٌ، وإنو، بكسر الهمزة وسكون النون‏.‏ وأنى بفتح الهمزة والنون مقصورةً مثل على‏.‏ وإنَى بكسر الهمزة وفتح النون مثل إلى‏.‏ لا تمدّن عينك‏:‏ لا تنظر الى ما عند هؤلاء‏.‏ متعنا‏:‏ اعطيناهم ما يتلذذون به‏.‏ ازواجا‏:‏ اشكالا واشباها‏.‏ زهرة الحياة الدنيا‏:‏ زينتها وبهجتها‏.‏ لنفتنهم‏:‏ لنختبرهم ونبتليهم‏.‏

فاصبر أيها الرسول على ما يقولون من كفرٍ واستهزاء، واتّجه إلى ربك وسبذِح بحمده قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، ونزهْه واعبدْه في ساعات الليل، وفي أطراف النهار‏.‏ ‏{‏لَعَلَّكَ ترضى‏}‏ فتطمئنَّ الى ما أنتَ عليه‏.‏

ولما صبَّر رسوله الكريم على ما يقولون وأمَرَه بالعبادة والتسبيح، أتبع ذلك بنهْيهِ عن مدِّ عينيه إلى ما مُتِّعوا به من زينة الدنيا فقال‏:‏

‏{‏وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

ولا تتعدّ بنظرك الى ما متعنا به أصنافاً من الكفار، لأن هذا المتاع زينةُ الحياة الدنيا وزخرفها، يمتحن الله به عباده في الدنيا‏.‏ ‏{‏وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبقى‏}‏ يدّخره لك الله في الآخرة، وهو رزق نعمةٍ لا للفتنة، رزقٌ طيب باق، وهو خير من هذا المتاع الزائل‏.‏

عن زيد بن ثابت قال‏:‏ «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏» من كانت الدنيا همَّه، فرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأتِه من الدنيا الا ما كتبَ له «

وهذه التَّنبيهات ليست دعوةً للزهد في طيبات الحياة، ولكنها دعوة الى الاعتزاز بالقِيم الأصيلة الباقية، وبالصِلة بالله والرضى به‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ ابو بكر والكسائي‏:‏» لعلك تُرضى «بضم التاء‏.‏ والباقون‏:‏ طلعلك ترضى» بفتح التاء‏.‏

‏{‏وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة واصطبر عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقبة للتقوى‏}‏‏.‏

دوامْ على الصلاة ووجِّهْ أهلك أن يؤدوها في اوقاتها، فان أول واجبات المسلم أن يحوِّل بيته الى بيتٍ مسلم‏.‏ ونحن لا نكلّفك مالا، بل عملاً نؤتيك عليه أجراً عظيما‏.‏ إننا نعطيك الرزق، والعاقبةُ الصالحة لأهل الخسية والتقوى، والانسان هو الرابح بالعبادة في دنياه وأخراه‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ يعقوب‏:‏ زَهَرة الحياة‏.‏ بفتح الزاء والهاء وهي لغة‏.‏ والباقون‏:‏ زهرة، بسكون الهاء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏133- 135‏]‏

‏{‏وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى ‏(‏133‏)‏ وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ‏(‏134‏)‏ قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى ‏(‏135‏)‏‏}‏

بآية‏:‏ بمعجزة‏.‏ البينة‏:‏ البرهان‏.‏ الصحف اأولى‏:‏ التوراة والنجيل‏.‏ نخزَى‏:‏ نفتضح‏.‏ متربص‏:‏ منتظر‏.‏ الصراط‏:‏ الطريق‏.‏ السوي‏:‏ المستقيم‏.‏

وقال المشركون المتعنتون في عنادهم‏:‏ لماذا لا يأتينا محمدٌ بمعجزة تدلّ على صدقه في دعوى النبوة‏؟‏ ألم يأتِهم القرآنُ‏؟‏ وهو اكبر بينةٍ جاء مشتملاً على ما في الكتب السابقة من أنباء الأمم الماضية، وكفى بذلك آية‏.‏

وقد تقدم مثل هذه الآية في سورة البقرة 118، وفي سورة يونس الآية 20‏.‏

ولو أهلكنا هؤلاء المكذِّبين قبل ان ننزل عليهم القرآن على يد رسول كريم لقالوا‏:‏ ربّنا، هلاّ ارسلتَ الينا رسولا قبل ان تهلكنا حتى نؤمن به ونتبعه، من قبل ان ينزل بنا العذابُ واخزي في الآخرة‏؟‏‏!‏ ولكن الله بإرساله النبي الكريم قطع جميع حججهم وأعذارهم‏.‏

‏{‏قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُواْ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصراط السوي وَمَنِ اهتدى‏}‏‏.‏

قل ايها الرسول لهؤلاء المعاندين‏:‏ إننا جميعاً منتظِرون فتربَّصوا وارتقبوا، فستعلمون من هم أهلُ الطريق المستقيم، وأيّ الفريقين صاحب الدين الحق والمهتدي بهدى الله‏.‏

وهكذا خُتمت سورة طه بأن يؤمر الرسول أن يترك هؤلاء المشركين فلا يشقى بهمن ولا يكرُبُه عدم إيمانهم‏.‏ وقد بدأت السورة بنفي الشقاء عن النبيّ الكريم من تنزيل القرآن، وحددت وظيفةَ القرآن بأنه تذكرةٌ لمن يخشى‏.‏ وجاء الخاتم متناسقاً مع المطلع كل التناسق، فهو التذكِرة الأخيرة لمن ينفعه التذكير، وسيندم المخالفُ حيث لا ينفع الندم‏.‏

سورة الأنبياء

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 6‏]‏

‏{‏اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ‏(‏1‏)‏ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ‏(‏2‏)‏ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ‏(‏3‏)‏ قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏4‏)‏ بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآَيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ‏(‏5‏)‏ مَا آَمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ‏(‏6‏)‏‏}‏

اقترب للناس حسابهم‏:‏ اقترب يوم القيامة‏.‏ من ذِكر‏:‏ من قرآن‏.‏ مُحدَث‏:‏ جديد‏:‏ لاهية قلوبهم‏:‏ غافلون عن ذكر الله‏.‏ أسرّوا النجوى‏:‏ أخفوا حديثهم بينهم‏.‏ اضغاث أحلام‏:‏ الأضغاث هي الأشياء المختلطة بعضها ببعض، ومعنى اضغاث أحلام‏:‏ ما كان منها ملتبسا مضطربا يصعب تأويله‏.‏ بل‏:‏ كلمة تُذكر للانتقال من غرض لآخر

دنا للناس وقت حسابهم بقرب مجيء يوم القيامة، وهم غافلون عن هول ذلك اليوم، ساهون لا يتفكرون في عقابتهم‏.‏‏.‏ فإن يوم الحساب آتٍ لا محالة‏.‏

ثم بين الله ما يدل على غفلتهم واعراضهم بقوله‏:‏

‏{‏مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ استمعوه وَهُمْ يَلْعَبُونَ‏}‏‏.‏

ما يُنزل الله من قرآن يجدّد لهم فيه الذكر، ويُحْدِث لهم الآية بعد الآية والسورة بعد السورة ليكرر على اسماعهم التنبيه والموعظةَ لعلّهم يتعظون، الا زادهم ذلك لعباً واستهزاء‏.‏ ولقد بالغوا في اخفاء نجواهم وتآمرهم على الرسول الكريم، فهل محمدٌ إلا بشرٌ مثلكم‏!‏

‏{‏أَفَتَأْتُونَ السحر وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ‏}‏‏.‏

اتصدّقون محمداً وتذهبون الى مجلس السحر وأنتم تعلمون انه ساحر‏!‏‏؟‏‏.‏

قال لهم الرسول وقد أطلعه الله على حديثهم الذي أسرّوه‏:‏ إنكم وإن أخفيتم قولكم وطعنكم فيَّ فإن ربّي يَعلم كل ما يقال في السماء والأرض، لا يخفى عليه شيء‏.‏

ثم بين اللهُ خوضهم في فنون الاضطراب وعدم اقتصارهم على ما تقدَّمَ من أن النبي ساحر بقوله تعالى‏:‏

‏{‏بَلْ قالوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افتراه بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ الأولون‏}‏‏.‏

إنهم لم يثبُتوا على صفة له، ولا على رأي يرونه‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ كيف يصِفون هذا القرآن، وكيف يتقونه‏.‏ قالوا في أول الأمر إن محمداً بشَرٌ مثلكم، ثم قالوا إن ما جاء به سِحر، ثم قالوا إنه أحلامٌ مختلطةٌ يراها محمد ويرويها عليكم، ثم عادوا وقالوا إن هذا الذي يجيء به كذبٌ مفترى، بل هو شاعر، فإذا كان رسولاً حقيقياً فليأَتِنا بمعجزة مادية تدل على صدقه، كما أُرسِل الانبياء الأولون مؤيدين بالمعجزات‏.‏ إنهم حائرون لا يدرون بماذا يصفون هذا الرسول والقرآن، فينتقلون من ادّعاء الى ادّعاء، ومن تعليلٍ إلى تعليل، ولا يستقرون على رأي‏.‏

‏{‏مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ‏}‏‏.‏

إن القرى التي أهلكناها لم تؤمن مع أنّنا أرسلنا إليهم رسُولنا بالمعجزات المادية، فأهلكناهم، فهل يؤمن هؤلاء من قومك إذا جاءهم ما يطلبون‏!‏‏!‏‏.‏

قال قتادة‏:‏ قال أهل مكة للنبيّ صلى الله عليه وسلم اذا كان ما تقولُه حقاً ويسرّك ان نؤمن، فحوِّل لنا الصَّفا ذهبا‏.‏ فأتاه جبريل فقال‏:‏ ان شئتَ كانَ الذي سألك قومُك، ولكنه إن كان ثم لم يؤمنوا، لم يُنظَروا ‏(‏يعني ان الله يهلكهم حالا‏)‏ وان شئتَ استأنيتَ بقومك، قالك بل أستأني بقومي‏.‏ فانزل الله‏:‏

‏{‏مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ‏.‏‏.‏ الآية‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 15‏]‏

‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏7‏)‏ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ ‏(‏8‏)‏ ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ ‏(‏9‏)‏ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ‏(‏10‏)‏ وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ ‏(‏11‏)‏ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ ‏(‏12‏)‏ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ‏(‏13‏)‏ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ‏(‏14‏)‏ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ ‏(‏15‏)‏‏}‏

أهل الذِكر‏:‏ العِلم‏.‏ الجسد‏:‏ الجسم ذِكركم‏:‏ عظتكم‏.‏ كم قصمنا من قرية‏:‏ كم أهلكنا، أصل القصم الكسر‏.‏ أنشأنا‏:‏ أوجدْنا‏.‏ أحسّوا‏:‏ أدركوا‏.‏ الى ما أترفتم‏:‏ الى ما بطرتم فيه من نعيم‏.‏ يا ويلنا‏:‏ يا هلاكنا، يا خزينا‏.‏ حصيدا‏:‏ مثل الحصيد‏.‏ خامدين‏:‏ كالنار التي خمدت وانطفأت‏.‏

بيّن الله تعالى لهم جواباً لشُبهتهم أن الرسولَ لا يكون بشراً بقوله‏:‏

‏{‏وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ فاسئلوا أَهْلَ الذكر إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏

وما أرسلْنا قبلك يا محمد من الرسُل إلا رجالاً من البشَر نوحي اليهم الدِّينَ ليبلّغوه الى الناس، فاسألوا أيها المنكِرون أهلَ العلم بالكتب المنزلة ان كنتم لا تعلمون‏.‏

ثم بيّن الله كون الرسل بشَرا كسائر الناس في أحكام الطبيعة البشرية فقال‏:‏

‏{‏وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ‏}‏‏.‏

وما جعلنا الرسُلَ الذين قبلك أجساداً تخالفُ أجسادَ البشر، فقد كانوا لا يعيشون دون طعام، وما كانوا مخلَّدين، بل إنهم كغيرهم من الناس كلّفهم اللهُ بتليغ الرسالة‏.‏

قراءات

قرأ عاصم‏:‏ نوحي بالنون، والباقون‏:‏ يوحَى بالياء وفتح الحاء‏.‏

‏{‏ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الوعد فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهْلَكْنَا المسرفين‏}‏‏.‏

إنا ارسلْنا رسلاً من البشر وصدّقناهم وعدَنا فنصرناهم على المكذّبين، وأنجيناهم هم ومن آمن معهم، وأهلكنا الذين أسرفوا على أنفسهم في تكذيبهم برسالة أنبيائهم‏.‏

وبعد أن حقق اللهُ رسالته صلى الله عليه وسلم ببيان أنه كسائر الرسل الكرام- شرع يحقق فضل القرآن الكريم، ويبيّن نفعه للناس‏.‏

‏{‏لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ‏}‏‏.‏

لقد أنزلنا إليكم القرآن ورفعنا فيه ذِكركم أيها العرب، وفيه مجدكم وعِظَتُكم بما اشتمل عليه من مكارم الأخلاق، وفاضل الآداب وسديد الشرائع والأحكام، أفلا تتفكرون‏؟‏، ومَنْ هم العربُ لولا القرآن‏؟‏ هو الذي جعلهم أمةً ذاتَ حضارة ودين قويم، بعد ان كانوا خاملين يعيشون في ظلام الهمجية والجاهلية‏.‏

‏{‏وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

والقصمُ أشدُّ حركات القطع، والتعبيرُ به يشير إلى شدة وقع الضربة على تلك القرى‏.‏

وكثير من أهل القرى أهلكناهم بسبب كفرهم وتكذيبهم لأنبيائهم، ثم أنشأنا بعد إهلاكهم أُمماً أخرى أحسنَ منهم حالاً ومالاً‏.‏

ثم بيّن حالهم حين حلول البأس بهم فقال‏:‏

‏{‏فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ‏}‏‏.‏

فلما أيقنوا أن العذابَ واقعٌ بهم لا محالة سارعوا الى الهروب، فخرجوا منها يركضون‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ ولكن الى اين‏!‏

‏{‏لاَ تَرْكُضُواْ وارجعوا إلى مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ‏}‏‏.‏

يُقال لهم على سبيل الاستهزاء والتهكم‏:‏ لا تهربوا أيها المنكرون، فلن يعصِمكم من عذاب الله شيء، ارجعوا الى ما كنتم فيه من نعيم وترف ومساكن طيبة، لعلّكم تسألون عن ذلك كلّه فيم أنفقتموه‏.‏

‏{‏قَالُواْ ياويلنآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ‏}‏‏.‏

حين يئسوا من الخلاص قالوا‏:‏ يا هلاكنا إنّا كنا ظالمين‏.‏ بهذا كانوا يحاولون التوبة والاعتذار، ولكن فات الآوان‏.‏ ‏{‏فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حتى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ‏}‏ فما زالوا يردّدون هذه المقالة، ويصيحون بها حتى جعلناهم بالعذاب كالزَّرع المحصود، خامدين لا حياة فيهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏16- 23‏]‏

‏{‏وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ‏(‏16‏)‏ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ ‏(‏17‏)‏ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ‏(‏18‏)‏ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ‏(‏19‏)‏ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ‏(‏20‏)‏ أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ‏(‏21‏)‏ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ‏(‏22‏)‏ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ‏(‏23‏)‏‏}‏

نقذِف‏:‏ نرمي‏.‏ فيدمغُه‏:‏ فيُبطله ويمحوه‏.‏ ومن معاني الدمغ‏:‏ الكسرُ والشجّ‏.‏ زاهق‏:‏ زائل، هالك‏.‏ ومن عنده‏:‏ يعني من عند الله، وهم الملائكة‏.‏ ينشرون‏:‏ يحيون، انشر أحيا‏.‏ ولا يستحسرون‏:‏ لا يتعبون‏.‏ لا يفترون‏:‏ لا يضعفون؛ ولا يتراخون‏.‏

‏{‏وَمَا خَلَقْنَا السمآء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ‏}‏‏.‏

لقد خلق اللهُ سبحانه هذا الكون لحكمة عنده، لا لعباً ولا لهوا‏.‏‏.‏‏.‏ خَلَقَه بنظام محكَم، وصنعٍ بديع‏.‏ فتكوينُ العالم وإبداع هذا الخلق مؤسس على قواعدَ أصيلة، وغايات جليلة محكمة‏.‏

‏{‏لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ‏}‏‏.‏

ولو أراد الله تعالى ان يتخذ لهواً لاتخذه من عنده، ولكن هذا مستحيل عليه، ولن يفعله، ولا يليق به‏.‏ وانما خَلَقَنا اللهُ لحكمة، وصوَّرَنا لغايةٍ سامية‏.‏

‏{‏بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الويل مِمَّا تَصِفُونَ‏}‏‏.‏

بل أمْرُنا الذي يليق بنا أن لا يكون هناك لهو، وإنما هو جِدٌّ فنقذف الحقَّ في وجه الباطل فيمحوه ويبطله، فإذا هو هالك زائل، والويلُ لكم أيها الكافرون من وصفِكم ربكم بصفاتٍ لا تليق بهن وافترائكم على الله ورسوله‏.‏

هذه هي سُنّة الحاية الأصلية، الحقُّ دائما يعلو، واذا تفشّى الباطل وعلا امره فانما يكون ذلك من تقصير منا، وتخاذلٍ في أمرنا، وبعدٍ عن ديننا، وفي الحديث الشريف‏:‏ «للباطل صولة ثم يضمحلّ»‏.‏

‏{‏وَلَهُ مَن فِي السماوات والأرض وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ‏}‏‏.‏

للهِ وحده كل ما في هذا الكون خَلْقاً ومُلْكا، فمن حقه وحده أن يُعبَدَ‏.‏ والملائكة عنده يعبدونه حقاً ولا يستكبرون عن عبادته والخضوع له، ولا يكِلّون ولا يتعبون‏.‏

‏{‏يُسَبِّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ‏}‏‏.‏

فهم دائبون في العبادة ليلَ نهار، لا يتخلَّل تسبحّهم وتنزيههم لله فتورٌ ولا ملل‏.‏

‏{‏أَمِ اتخذوا آلِهَةً مِّنَ الأرض هُمْ يُنشِرُونَ‏}‏‏.‏

بل عبدوا غيرَ الله، واتخذوا آلهةً من هذه الأرض من الأصنام وغيرها‏.‏ كيف يعبدون هذه الأصنام وهي لا تستطيع إعادة الحياة‏!‏

ثم أقام الدليلَ العقلي على التوحيد ونفيِ تعدُّد الآلهة فقال‏:‏

‏{‏لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا‏}‏‏.‏

لو كان في السموات والارض إله آخر غير الله لوقع الاضطرابُ والفساد في هذا الكون، واختلّ النظام فيه بتعدد الآراء، واختلاف الأوامر‏.‏

‏{‏فَسُبْحَانَ الله رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ‏}‏‏.‏

فتنزيهاً لله ربّ العرش المحيط بهذا الكون، عما يقول هؤلاء المشركون‏.‏

‏{‏لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ‏}‏‏.‏

الله تعالى هو الحاكم المطلق، لا معقّب لحكمه، وإرادته طليقةٌ لا يحدّها قيد من إرادةٍ اخرى، فهو لا يحاسَب ولا يسأل عما يفعل، فهو الحكيم العليم، لا يخطئ في فعل شيء، والخلقُ جميعهم يُسألون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏24- 29‏]‏

‏{‏أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ ‏(‏24‏)‏ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ‏(‏25‏)‏ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ‏(‏26‏)‏ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ‏(‏27‏)‏ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ‏(‏28‏)‏ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

هذا ذِكر من معي‏:‏ هذا القرآن الذي معي‏.‏ وذِكر مَن قبلي‏:‏ الكتب السابقة‏.‏ لا يسبقونه بالقول‏:‏ لا يتكلمون حتى يأمرهم‏.‏ مشفقون‏:‏ حذرون، خائفون‏.‏

أعاد الاستنكار مرةً أخرى لبشاعة ما يقولون، ولإظهار جهلهم فقال‏:‏

‏{‏أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

بعد هذه الأدلّة التي ظهرت تقولون‏:‏ إن لله شركاءَن فأين الدليل‏؟‏ هاتوا دليلكم على صحة ما تقولون‏.‏ ان هذا القرآن قد جاءَ مذكّرا لأُمتي بما يجب عليها، هذه كتب الأنبياء التي جاءت لتذكر الأممَ من قبلي- كلّها تشهد على توحيد الله، وليس فيها ذِكر للشركاء الذين تزعمون‏.‏

ولما كانوا لا يجِدون لهم شُبهة فضلاً عن حجة، ذمَّهم الله على جهلهم بمواضع الحق فقال‏:‏

‏{‏بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الحق فَهُمْ مُّعْرِضُونَ‏}‏‏.‏

بل أكثُر هؤلاء لا يميزون بين الحق والباطل، وهذا هو السبب في إعراضهم وتجافيهم عن سماع الحق‏.‏

ثم أكّد ما تقدّم من أدلة التوحيد فقال‏:‏

‏{‏وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نوحي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون‏}‏‏.‏

ان الرسلَ جميعاً أُرسلوا بالتوحيد، فهو قاعدة العقيدة منذ ان بعثَ الله الرسلَ للناس، لا تبديل فيه ولا تحويل، فأخلِصوا لله العبادة‏.‏

وبعد أن بين سبحانه بالدلائل القاطعة أنه منزّهٌ عن الشريك والشبيه، أردف ذلك ببراءته من اتخاذ الولد فقال‏:‏

‏{‏وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ‏}‏‏.‏

وقال بعض مشركي العرب وهم بعض خُزاعة وجُهينة وبنو سَلَمة‏:‏ ان الملائكة بناتُ الله، فردَّ الله عليهم بقوله‏:‏ سبحانه، تنزَّه عن أن يكون له ولد، بل الملائكةُ الذين عنده هم عبادٌ مكرَّمون مقرَّبون‏.‏

‏{‏لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ‏}‏‏.‏

لا يتكلّمون إلا بما يأمرهم به ربهم، ولا يخالفونه في ذلك ولا يتعدون حدود ما يأمرهم به‏.‏

ثم علّل سبحانه هذه الطاعة بعلمِهِم أن ربَّهم محيطٌ بهم، لا تخفى عليه خافية من أمرهم فقال‏:‏

‏{‏يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ‏}‏‏.‏

ان الله يعلم كل أحوالهم واعمالهم، وما قدّموه وما أخّروه، وهم لا يشفعون الا لمن رضي الله عنه، وهم من خوف الله والإشفاق من عقابه دائماً حذِرون‏.‏

‏{‏وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إني إله مِّن دُونِهِ فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظالمين‏}‏‏.‏

ومن يقل من الملائكة إني إله، فذلك جزاؤه جهنم، ومثل هذا الجزاءِ نجزي كلَّ من يتجاوز حدود الله من الظالمين‏.‏

قال بعض المفسرين‏:‏ عنى بهذا إبليسَ حيث ادَّعى الشرِكَة ودعا إلى عبادة نفسِه وكان من الملائكة، ولم يقلْ أحدٌ من الملائكة إني إله غيره‏.‏